ارتفاع أسعار الطاقة يضع المالية التونسية أمام اختبارات جديدة

وكالة أنباء حضرموت

يحذر خبراء اقتصاديون من أن تداعيات الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران قد تفرض ضغوطًا إضافية على الاقتصاد التونسي، في وقت تعاني فيه البلاد أصلًا من إخلالات هيكلية، ما يفتح الباب أمام سيناريوهات مالية صعبة، من بينها احتمال اللجوء إلى موازنة تكميلية وإجراءات تقشفية.

ومنذ اندلاع الحرب في 28 فبراير الماضي، شهدت أسعار النفط والغاز ارتفاعًا ملحوظًا، وسط مخاوف من انعكاسات أوسع على الاقتصاد العالمي، خاصة في ما يتعلق بتصاعد الضغوط التضخمية.

وتأتي هذه التطورات في سياق اقتصادي داخلي هش، إذ تواجه تونس منذ سنوات تحديات متراكمة، تفاقمت بفعل تداعيات جائحة كورونا، وارتفاع كلفة واردات الطاقة والمواد الأساسية، إضافة إلى آثار الحرب الروسية – الأوكرانية.

في هذا السياق أوضح أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية آرام بلحاج أن “موازنة 2026 بُنيت على فرضية سعر في حدود 63 دولارًا لبرميل النفط”، معتبرًا أن “أي ارتفاع كبير فوق هذا المستوى سيكون من الصعب استيعابه، سواء من قبل الدولة أو الفاعلين الاقتصاديين أو المواطنين”.

وقد تجاوزت الأسعار هذه الفرضيات بالفعل، إذ بلغ سعر خام برنت نحو 107 دولارات للبرميل، في حين سجل خام غرب تكساس الوسيط قرابة 93 دولارًا، في ظل توترات متزايدة في الإمدادات، خصوصًا مع القيود المفروضة على المرور عبر مضيق هرمز، الذي يمثل شريانًا رئيسيًا لنقل النفط عالميًا.

ويرى بلحاج في تصريح للأناضول أن “العجز المبرمج في الموازنة، والمقدّر بنحو 11 مليار دينار، مرشح للاتساع تحت تأثير هذه التطورات”، مرجحًا أن “تتحمل الدولة جزءًا من كلفة ارتفاع الأسعار، وهو ما سينعكس بدوره على المالية العمومية”.

كما لا يستبعد تسارع التضخم وارتفاع نسب الفائدة، التي تبلغ حاليًا نحو 7 في المئة، بالتوازي مع تفاقم العجز الطاقي، مشيرًا إلى أن هامش تحرك الدولة يظل محدودًا، في ظل احتمال اللجوء إلى تعديل أسعار الوقود والكهرباء.

ويدعو بلحاج إلى “الاستعداد لمختلف السيناريوهات عبر تعزيز قدرات تخزين الطاقة، وتطوير الشراكات الإقليمية، خاصة مع الجزائر وليبيا، إلى جانب اعتماد أدوات التحوط في شراء النفط”.

السياحة تحت الضغط
من جهته يلفت الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي إلى أن “تداعيات الحرب قد تمتد إلى موارد تونس من العملة الصعبة، سواء عبر تراجع تحويلات التونسيين بالخارج، التي تجاوزت 3 مليارات دولار في 2025، أو من خلال انكماش مداخيل السياحة”.

ويعزو ذلك إلى الضغوط التضخمية في دول الإقامة، خاصة في أوروبا ودول الخليج، ما يقلص القدرة الشرائية للمغتربين، وبالتالي حجم تحويلاتهم، إضافة إلى تراجع الطلب السياحي نتيجة تآكل القدرة الشرائية للأوروبيين.

كما يشير إلى احتمال تشديد السياسات النقدية في الاقتصادات الكبرى، عبر رفع نسب الفائدة، وهو ما سيرفع كلفة خدمة الدين الخارجي على تونس، ويزيد الضغوط على موازنتها.

ويقدّر الشكندالي أن “التداعيات المباشرة على المالية العمومية قد تبلغ نحو 6.4 مليار دينار، مع احتمال لجوء الدولة إلى الاقتراض الداخلي لتغطية هذا العجز، وهو خيار يحمل مخاطر تضخمية إضافية”.

خيارات محدودة
في ضوء هذه المعطيات يطرح الشكندالي جملة من الخيارات المتاحة أمام الحكومة، وإن كانت جميعها ذات كلفة اقتصادية واجتماعية متفاوتة.

من بين هذه الخيارات تأجيل بعض المشاريع المبرمجة، وتأجيل الانتدابات في القطاع العمومي، إلى جانب مراجعة أسعار المحروقات، أو تأجيل الزيادات في الأجور.

كما يتوقع أن يؤدي استمرار ارتفاع أسعار الطاقة إلى ضغوط تضخمية إضافية، قد تدفع البنك المركزي إلى رفع نسبة الفائدة مجددًا، مع ما لذلك من انعكاسات على النمو والاستثمار.

وعلى مستوى المؤشرات الخارجية يُرجّح أن يتسع العجز التجاري، ويتأثر ميزان المدفوعات بتراجع موارد العملة الصعبة، ما قد يضغط على قيمة الدينار.

ويرى الشكندالي أن السيناريو الأقل كلفة يظل مرتبطًا بعودة التهدئة في المنطقة، عبر المساعي الدبلوماسية، بما يحدّ من هذه التداعيات.

نحو موازنة تكميلية محتملة
بدوره يحذر وزير التجارة الأسبق محمد المسيليني من أن استمرار التوترات، خاصة في حال تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز أو استهداف منشآت الطاقة، قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات أعلى، قد تصل إلى ما بين 150 و200 دولار للبرميل.

وفي هذه الحالة تصبح الفرضيات التي بُنيت عليها موازنة 2026 غير قابلة للاستمرار، ما قد يفرض على الدولة إعداد موازنة تكميلية، لمواكبة المتغيرات.

ويشير المسيليني إلى أن الخيارات المتاحة قد تشمل تعديل أسعار الطاقة، واللجوء إلى الاقتراض الداخلي، أو إعادة جدولة بعض المشاريع، في ظل صعوبات متزايدة في النفاذ إلى التمويل الخارجي.

ويحذر كذلك من أن موجة ارتفاع الأسعار قد لا تقتصر على الطاقة، بل تمتد إلى مواد أساسية أخرى، في ظل توجه عالمي متزايد نحو التخزين، وهو ما قد يفاقم الضغوط المعيشية.