هجمات الميليشيات تفتح جبهة عراقية في الحرب مع إيران
تتجه الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى إلى التمدد جغرافيًا خارج حدود المواجهة المباشرة، مع تحول العراق تدريجيًا إلى ساحة اشتباك جديدة.
وتشير الهجمات المتزايدة التي تنفذها الميليشيات العراقية المدعومة من طهران ضد قواعد عسكرية ومواقع مرتبطة بالقوات الأميركية إلى أن البلاد بدأت تتحول إلى جبهة إضافية في الصراع الإقليمي المتصاعد.
وفي ظل تصاعد الضربات الجوية والهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ، يجد العراق نفسه مرة أخرى في قلب مواجهة غير مباشرة بين قوى إقليمية ودولية، بما يهدد بتقويض استقراره الهش وإعادة إنتاج سيناريوهات الصراع التي شهدها خلال السنوات الماضية.
وجاءت هذه التطورات في أعقاب الضربات الجوية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على مواقع داخل إيران في أواخر فبراير، إذ سرعان ما انعكست تداعياتها على الساحة العراقية.
ومنذ ذلك الحين، تصاعدت وتيرة الهجمات التي تنفذها فصائل مسلحة مرتبطة بإيران، مستهدفة قواعد عسكرية في شمال العراق، خصوصًا في إقليم كردستان، حيث تنتشر قوات أميركية وأخرى تابعة للتحالف الدولي.
وتشير التقديرات إلى وقوع مئات الهجمات باستخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ خلال فترة زمنية قصيرة، في مؤشر على تحول العراق إلى منصة ضغط عسكرية غير مباشرة على واشنطن.
وتعتمد إيران في هذا السياق على شبكة واسعة من الفصائل المسلحة التي تشكل جزءًا من منظومة قوات الحشد الشعبي، وهي مؤسسة عسكرية تضم عشرات الألوية التي نشأت في الأصل لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية عام 2014.
ومع مرور الوقت، تحولت بعض هذه الفصائل إلى أدوات نفوذ إيرانية داخل العراق، تمتلك قدرات عسكرية متنامية تشمل الطائرات المسيّرة والصواريخ قصيرة المدى.
ومن خلال هذه الشبكة، تستطيع طهران توجيه ضربات ضد خصومها دون الانخراط المباشر في المواجهة، ما يمنحها هامشًا من المناورة السياسية والعسكرية.
ويُظهر التصعيد الأخير أن هذه الاستراتيجية دخلت مرحلة أكثر جرأة. فالهجمات التي تستهدف قواعد عسكرية في إقليم كردستان لا تقتصر على القوات الأميركية فحسب، بل تمتد أيضًا إلى مواقع تستخدمها مجموعات معارضة إيرانية كردية.
ويبدو أن طهران تسعى من خلال ذلك إلى تحقيق هدفين متوازيين: الضغط على واشنطن لتشتيت تركيزها العسكري بعيدًا عن إيران، وتوجيه رسالة ردع للمعارضين الإيرانيين الذين يتخذون من شمال العراق ملاذًا لهم.
وتزداد حساسية هذا التصعيد بالنظر إلى الأهمية الاستراتيجية لإقليم كردستان في المعادلة الإقليمية. فالإقليم يمثل نقطة ارتكاز رئيسية للوجود العسكري الأميركي في العراق، كما أنه يشكل حلقة وصل لوجستية مهمة للعمليات الأميركية في سوريا.
وإضافة إلى ذلك، يتمتع الإقليم بموقع جغرافي فريد يجعله عند تقاطع مصالح أربع دول رئيسية في المنطقة هي العراق وإيران وتركيا وسوريا. كما يمر عبره أحد المسارات الأساسية لتصدير النفط العراقي نحو الأسواق العالمية عبر الأراضي التركية، ما يمنحه وزنًا اقتصاديًا وسياسيًا يتجاوز حدوده الجغرافية.
الهجمات المتصاعدة التي تنفذها الميليشيات المدعومة من إيران في العراق ضد مواقع وقوات أميركية تعكس مساعي طهران لتوسيع نطاق المواجهة الإقليمية وتحويل العراق إلى جبهة جديدة في الحرب الدائرة معها.
وفي المقابل، لم تظل هذه الهجمات دون رد. فقد تعرضت مواقع ومخيمات تابعة لفصائل مسلحة موالية لإيران لسلسلة من الضربات الجوية التي استهدفت مواقع في شمال العراق وغربه، بما في ذلك مناطق قرب الموصل وكركوك والحدود السورية.
وأسفرت هذه الضربات عن سقوط عدد من القتلى في صفوف المقاتلين، في مؤشر على دخول المواجهة مرحلة من الردود المتبادلة التي قد تتسع إذا استمرت الهجمات ضد القوات الأمريكية.
غير أن هذه الضربات لا تبدو حتى الآن قادرة على ردع الفصائل المسلحة بشكل كامل. فبنية هذه الجماعات تتميز بدرجة عالية من المرونة، حيث تنتشر في شبكات متعددة وتتخذ أسماء تنظيمية مختلفة، كما تلجأ أحيانًا إلى إنشاء واجهات جديدة لتبني الهجمات.
ويجعل هذا التعدد من الصعب توجيه ضربات حاسمة ضدها، إذ يمكنها إعادة تنظيم صفوفها بسرعة ومواصلة عملياتها ضمن إطار ما يسمى بمحور “المقاومة”.
ويعكس هذا الواقع طبيعة النفوذ الإيراني المتجذر في العراق منذ سنوات طويلة. فبعد سقوط النظام العراقي عام 2003، عملت طهران على توسيع حضورها السياسي والعسكري داخل البلاد، مستفيدة من الفراغ الأمني والمؤسساتي الذي رافق مرحلة إعادة بناء الدولة.
ومن خلال دعم الفصائل المسلحة وتعزيز علاقاتها مع قوى سياسية محلية، نجحت إيران في ترسيخ شبكة نفوذ عميقة داخل البنية العراقية، الأمر الذي يجعل من الصعب فصل الساحة العراقية عن أي صراع إقليمي أوسع.
وفي ظل الحرب الحالية، تبدو هذه الشبكة أداة فعالة لفتح جبهات ضغط متعددة على الولايات المتحدة وحلفائها. فبدلًا من مواجهة مباشرة قد تكون مكلفة، تستطيع طهران استخدام الفصائل المسلحة في العراق لتنفيذ هجمات متكررة تستنزف القوات الأميركية وتفرض عليها تخصيص موارد إضافية لحماية قواعدها ومصالحها في المنطقة.
ومن شأن هذا النهج أن يوسع نطاق الحرب تدريجيًا، بحيث لا تظل محصورة داخل الحدود الإيرانية، بل تمتد إلى ساحات أخرى في الشرق الأوسط.
لكن تداعيات هذا التصعيد لا تقتصر على البعد العسكري وحده، إذ يحمل أيضًا مخاطر اقتصادية وسياسية كبيرة للعراق. فالبلاد تعتمد بشكل أساسي على صادرات النفط، وأي اضطراب أمني قد يؤثر على طرق التصدير أو على ثقة الأسواق الدولية.
كما أن استمرار الهجمات قد يضع الحكومة العراقية في موقف بالغ الحساسية بين ضغوط الولايات المتحدة من جهة ونفوذ الفصائل المسلحة المدعومة من إيران من جهة أخرى.
وبذلك يجد العراق نفسه أمام معادلة معقدة: فهو يسعى إلى الحفاظ على استقراره الداخلي وإعادة بناء مؤسساته بعد سنوات من الصراع، لكنه في الوقت ذاته يواجه خطر الانجرار إلى حرب إقليمية أوسع لا يملك السيطرة على مسارها.
ومع استمرار التصعيد بين إيران وخصومها، تبدو الساحة العراقية مرشحة لأن تبقى إحدى أبرز نقاط الاحتكاك في هذه المواجهة، ما يثير مخاوف من أن تتحول البلاد مجددًا إلى ساحة صراع مفتوحة بين القوى المتنافسة في الشرق الأوسط.