بدائل لوجستية عاجلة في الخليج لمواجهة تهديدات إيران للملاحة البحرية

وكالة أنباء حضرموت

 مع تصاعد التوترات العسكرية في الشرق الأوسط واتساع رقعة الحرب على إيران، برزت تحديات جديدة أمام دول مجلس التعاون الخليجي، كان أبرزها المخاطر المتزايدة التي تهدد الملاحة البحرية في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

ومع تهديد طهران باستهداف السفن العابرة للمضيق، بدأت دول الخليج في تفعيل خطط طارئة لتأمين سلاسل الإمداد، والبحث عن بدائل لوجستية عاجلة تضمن استمرار تدفق السلع الأساسية، وفي مقدمتها الغذاء، إلى أسواقها.

ويمثل مضيق هرمز شريانا حيويا للتجارة العالمية، حيث يمر عبره جزء كبير من صادرات الطاقة من دول الخليج إلى الأسواق الدولية، إضافة إلى نسبة كبيرة من الواردات التي تعتمد عليها اقتصادات المنطقة.

ومع تصاعد احتمالات تعطيل الملاحة في المضيق نتيجة التصعيد العسكري، برزت الحاجة الملحة لدى الحكومات الخليجية إلى تنويع مسارات النقل وتعزيز منظوماتها اللوجستية لتقليل الاعتماد على هذا الممر البحري الحساس.

وفي الثاني من مارس الجاري، صعّدت إيران من لهجتها حين هددت باستهداف أي سفينة تحاول عبور مضيق هرمز، وذلك في إطار ردها على الضربات الأميركية والإسرائيلية المتواصلة على أراضيها منذ أواخر فبراير الماضي.

دول الخليج تسعى إلى تعزيز جاهزية منظوماتها اللوجستية والغذائية، ليس فقط لمواجهة الأزمة الحالية، بل أيضا لتقليل اعتمادها المستقبلي على الممرات البحرية الحساسة التي قد تتحول في أي لحظة إلى أدوات ضغط في الصراعات الجيوسياسية

كما أعلنت طهران تنفيذ هجمات استهدفت ما قالت إنها قواعد ومصالح أميركية في عدد من دول الخليج والعراق والأردن، ما أدى في بعض الحالات إلى سقوط قتلى وجرحى وإلحاق أضرار بمنشآت مدنية وبنى تحتية للطاقة.

ورفعت هذه التطورات مستوى القلق في دول الخليج التي تعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد لتأمين احتياجاتها الغذائية. فبسبب محدودية الأراضي الزراعية وشح الموارد المائية، تستورد دول مجلس التعاون الخليجي نحو 85 في المئة من غذائها من الخارج، وفقا لتقديرات سابقة للمنتدى الاقتصادي العالمي.

وتأتي هذه الواردات عبر شبكة واسعة من سلاسل الإمداد العالمية التي تمتد من أميركا الشمالية والجنوبية وأوروبا إلى أستراليا ومنطقة البحر الأسود.

وتظهر بيانات شركة تتبع السلع "كبلر" حجم هذا الاعتماد بوضوح، إذ تشير إلى أن دول الخليج استوردت نحو 30 مليون طن من الحبوب خلال عام 2025، مر معظمها عبر مضيق هرمز قبل وصولها إلى الموانئ الرئيسية في المنطقة.

ولا تقتصر هذه الواردات على الحبوب فحسب، بل تشمل أيضا سلعا غذائية أساسية مثل الأرز والقمح والشعير والذرة وفول الصويا، وهي منتجات تشكل ركائز رئيسية للأمن الغذائي في الأسواق الخليجية.

ومع ارتفاع المخاطر الأمنية المرتبطة بالملاحة في المضيق، بدأت دول الخليج بالتحرك بسرعة لتفعيل مسارات نقل بديلة، في محاولة لتقليل الاعتماد على هذا الممر البحري الحيوي وضمان استمرار تدفق السلع دون انقطاع.

وفي سلطنة عمان، أعلنت وزارة النقل جاهزية قطاع النقل البري لنقل البضائع القادمة عبر الموانئ العمانية إلى بقية دول الخليج.

ويعكس هذا التوجه أهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه الموانئ العمانية المطلة على بحر العرب وبحر عمان في توفير منفذ بديل نسبيا للتجارة بعيدا عن المناطق الأكثر توترا في الخليج العربي.

كما أكدت السلطات العمانية اتخاذ إجراءات لتسهيل حركة الشحن وتسريع عمليات العبور عبر الحدود، بما يعزز كفاءة سلاسل الإمداد الإقليمية.

وأما في الإمارات، فقد أكدت السلطات استمرار عمليات نقل البضائع عبر شبكة السكك الحديدية التابعة لشركة "قطارات الاتحاد"، التي كثفت رحلات الشحن في محاولة لضمان انسيابية حركة التجارة داخل الدولة وربط الموانئ بالمراكز اللوجستية الرئيسية.

وخلال تسعة أيام فقط، سيرت الشركة أكثر من مئة رحلة قطار شحن نقلت ما يزيد على 459 ألف طن من البضائع وأكثر من 7900 حاوية، في مؤشر على الدور المتنامي الذي يمكن أن تلعبه البنية التحتية للنقل البري والسككي في مواجهة الأزمات.

وفي قطر، اتجهت السلطات إلى تعزيز التعاون مع قطاع الشحن والنقل من خلال الدعوة إلى التسجيل في نظام النقل البري الدولي "TIR"، وهو نظام عبور جمركي يسمح بمرور البضائع بسرعة بين الدول داخل حاويات مختومة وتحت رقابة جمركية مستمرة.

ويسهم هذا النظام في تسريع حركة التجارة وتقليل التعقيدات اللوجستية، وهو ما يصبح أكثر أهمية في أوقات الأزمات عندما تتعرض الممرات البحرية الرئيسية لمخاطر أمنية.

وأما السعودية، فتتمتع بميزة جغرافية تمنحها قدرا أكبر من المرونة في التعامل مع هذه التحديات. فإلى جانب موانئها المطلة على الخليج العربي، تمتلك المملكة عددا من الموانئ الكبرى على البحر الأحمر، ما يتيح لها استقبال جزء من الواردات الغذائية عبر هذا المسار البديل قبل نقلها برا إلى داخل البلاد أو إلى أسواق خليجية أخرى.

ويُنظر إلى هذا الخيار باعتباره أحد أهم البدائل الاستراتيجية في حال تعطل الملاحة عبر مضيق هرمز، إذ يوفر منفذا آخر للتجارة بعيدا عن مناطق التوتر.

كما يظل النقل الجوي خيارا مطروحا لبعض السلع الغذائية سريعة التلف مثل الخضار والفواكه، رغم ارتفاع تكلفته مقارنة بالنقل البحري. إلا أن هذا الخيار قد يصبح ضروريا لضمان استمرار توفر هذه السلع في الأسواق في حال حدوث اضطرابات كبيرة في حركة الشحن البحري.

وبالتوازي مع هذه التحركات اللوجستية، اتخذت الحكومات الخليجية سلسلة من الإجراءات لضبط الأسواق المحلية وطمأنة المستهلكين بشأن توفر السلع الغذائية. ففي الإمارات، أعلنت وزارة الاقتصاد ربط منظومة الرقابة بمنصة رقمية تضم 627 منفذ بيع لرصد أسعار السلع الأساسية بشكل لحظي، كما دعت المستهلكين إلى تجنب شراء كميات تفوق الحاجة لمنع حدوث تكدس في الأسواق.

وأكدت الوزارة أن البلاد تمتلك مخزونا استراتيجيا من السلع الأساسية يكفي ما بين أربعة وستة أشهر.

وفي قطر، أكدت وزارة التجارة والصناعة أن المخزون الاستراتيجي من السلع الغذائية يكفي لأكثر من ستة أشهر، ضمن خطط وضعتها الدولة منذ سنوات لتعزيز أمنها الغذائي ومواجهة أي اضطرابات محتملة في الإمدادات العالمية.

كما أعلنت البحرين أن مخزونها من السلع الغذائية الأساسية كاف وآمن، مشيرة إلى استقرار الأسعار وتوافر السلع في الأسواق المحلية.

وأما الكويت، فقد اتخذت إجراءات أكثر صرامة تمثلت في حظر تصدير السلع الغذائية كافة وتثبيت أسعارها لمدة شهر، في خطوة تهدف إلى حماية المستهلكين وضمان استقرار السوق المحلية في ظل الظروف الإقليمية المتوترة.

وفي موازاة التحركات الخليجية، أعلنت الولايات المتحدة أنها تدرس خيارات إضافية لضمان بقاء مضيق هرمز مفتوحا أمام حركة الملاحة.

وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت إن الجيش الأميركي يعمل على إعداد خيارات متعددة لتحقيق هذا الهدف بتوجيهات من الرئيس دونالد ترامب، مؤكدة أن واشنطن تريد التأكد من أن إيران لا تشكل تهديدا للملاحة الدولية أو للمصالح الأميركية في المنطقة.

وأضافت ليفيت أن البحرية الأميركية قد تلجأ إلى مرافقة السفن في المضيق إذا لزم الأمر، وهو خيار يعكس حجم القلق الدولي من احتمال تعطل الملاحة في هذا الممر الحيوي للتجارة العالمية.

كما أشارت إلى أن الإدارة الأميركية تتابع عن كثب تحركات أسواق الطاقة وارتفاع أسعار النفط، في ظل المخاوف من تأثير التوترات العسكرية على الإمدادات العالمية.

وفي ظل هذه التطورات، تبدو الأزمة الحالية بمثابة اختبار حقيقي لمدى قدرة دول الخليج على التكيف مع الأزمات الجيوسياسية التي قد تهدد الممرات البحرية الحيوية.

وبينما تستمر التوترات العسكرية في المنطقة، تسعى دول الخليج إلى تعزيز جاهزية منظوماتها اللوجستية والغذائية، ليس فقط لمواجهة الأزمة الحالية، بل أيضا لتقليل اعتمادها المستقبلي على الممرات البحرية الحساسة التي قد تتحول في أي لحظة إلى أدوات ضغط في الصراعات الجيوسياسية.