تظاهرة برلين: صوت الانتفاضة وتكريس البديل السياسي

تظاهرة برلين: صوت الانتفاضة وتكريس البديل السياسي

جاءت مظاهرة الإيرانيين الأحرار في برلين يوم السبت الموافق ۷ شباط (فبراير)، في وقت دخل فيه المجتمع الإيراني مرحلة نوعية وحاسمة. لم يكن هذا التجمع مجرد حركة احتجاجية رمزية، بل كان رداً سياسياً منظماً على استحقاقات عميقة في الداخل الإيراني. والسؤال الجوهري هنا: لماذا برلين؟ ولماذا في هذا التوقيت بالذات؟ وما هي الرسائل التي حملتها هذه المظاهرة؟

تظاهرة برلين: صوت الانتفاضة وتكريس البديل السياسي

حفظ الصورة
وکالة الانباء حضر موت

بقلم حسين عابديني/ بريطانيا

جاءت مظاهرة الإيرانيين الأحرار في برلين يوم السبت الموافق ۷ شباط (فبراير)، في وقت دخل فيه المجتمع الإيراني مرحلة نوعية وحاسمة. لم يكن هذا التجمع مجرد حركة احتجاجية رمزية، بل كان رداً سياسياً منظماً على استحقاقات عميقة في الداخل الإيراني. والسؤال الجوهري هنا: لماذا برلين؟ ولماذا في هذا التوقيت بالذات؟ وما هي الرسائل التي حملتها هذه المظاهرة؟
تكمن الميزة الأولى لمظاهرة برلين في توقيتها ومكانتها السياسية؛ إذ تزامنت مع ذكرى الثورة ضد الشاه عام ۱۹۷۹، لتربط تلك الثورة بانتفاضة “دي” (يناير) الحالية برباط عضوي ومعنوي. هذا الربط يؤكد استمرارية المسار التاريخي لنضال الشعب الإيراني من أجل الحرية، وهو المسار الذي لم يتوقف عند محطة ۱۹۷۹، ولم يخمد رغم عقود من القمع الممنهج.

من الاحتجاج إلى استحقاق الإسقاط
حملت هذه المظاهرة رسالة صريحة واحدة: إسقاط نظام “ولاية الفقيه”. لقد حسمت انتفاضة “دي” (يناير) علاقة المجتمع الإيراني بالسلطة الحاكمة؛ فلم تعد مطالب الشعب تقتصر على إصلاحات جزئية أو حقوق اجتماعية محدودة، بل ارتقت إلى مطلب شامل ينهي كيان هذا النظام برمته. وفي هذا السياق، يجب اعتبار مظاهرة برلين الصدى الخارجي لإرادة داخلية شقت طريقها في شوارع إيران بدم الشهداء وصمود الثوار.
من هذا المنطلق، دخل دور الإيرانيين في الخارج مرحلة جديدة: تحويل صرخات الداخل إلى مطالب واضحة في الساحة الدولية. إن الانعكاس الواسع للانتفاضة والمواقف الدولية الأخيرة يشيران إلى أن القوى العالمية بدأت تتلقى إشارات التغيير. وهنا تحولت مظاهرة برلين إلى “رأسمال سياسي” لحركة الإسقاط، مؤكدة للعالم أن الصوت الحقيقي لإيران ليس في المشاريع المصطنعة أو جماعات الضغط (اللوبيات) المضللة، بل في مقاومة منظمة ومتجذرة.

الفرز التاريخي: لا للشاه.. ولا للشيخ
من أبرز رسائل هذه المظاهرة كان الفرز الحاسم والقطعي مع شكلي الاستبداد: الملكي والديني. هذا الفرز ليس وليد العاطفة، بل هو نتاج تجربة تاريخية مريرة وقاسية خاضها المجتمع الإيراني. إن شعار “لا للشاه ولا للملالي” هو خلاصة ٤۷ عاماً من الاختبارات؛ مجتمع أدرك تماماً أن الحرية لا تتحقق بالعودة إلى الماضي.
إن محاولات إعادة إنتاج وجه ملكي هي تكرار لنمط سابق جُرب مع “الخميني”؛ وهو صناعة “زعيم” بلا جذور في النضال الحقيقي. وكما أكدت الكلمات في برلين، فإن لانتفاضة “دي” (يناير) ثلاث قوى واضحة: الشعب الذي ضحى في الميدان، والسلطة التي قمعت بلا هوادة، وبقايا الاستبداد السابق التي تسعى لمصادرة تضحيات الدماء. إن الشعارات التي تحاول إحياء الماضي الملكي لا صلة لها بالثورة الديمقراطية المعاصرة، بل هي في الواقع تخدم تشتيت الصفوف وتقوية آلة القمع.
لقد أظهرت مظاهرة برلين أن الانتفاضة الحالية أصيلة ونابعة من معاناة شعب دفع الثمن غالياً. وهذا الوعي السياسي المتقدم يثبت أن المجتمع لم يعد ينخدع بالنسخ “المجملة” للاستبداد.

تثبيت رؤية المستقبل
قدم التجمع صورة واضحة لإيران الغد: جمهورية ديمقراطية تقوم على فصل الدين عن الدولة، امتداداً لنهج “مصدق”، غير نووية، وتعيش بسلام مع العالم، وترتكز على المساواة الحقوقية لكافة المواطنين والقوميات. إن البديل الذي تبلور تحت شعار “لا للشاه ولا للملالي” هو الإجابة الصريحة على التساؤل حول وجود بديل واقعي للنظام الحالي.
أعلن الإيرانيون في برلين أن هذا البديل موجود؛ وهو بديل صمد أربعة عقود وسط النار والدم، وقرن نفي الديكتاتورية بإثبات قيم العدالة والدور القيادي للمرأة. إن الربط العيني بين الداخل والخارج أثبت أن الانتفاضة دخلت مرحلة أكثر تنظيماً وتطلباً للوعي والانسجام السياسي.

الخاتمة: المستقبل لا يقبل المصادرة
كانت الرسالة الختامية واضحة: مستقبل إيران غير قابل للمصادرة. في ذكرى الثورة التي سُرقت عام 1979، أعلن الإيرانيون أن التجربة لن تتكرر. كانت هذه المظاهرة نداءً لقادة العالم للإصغاء لصوت الشعب الحقيقي.
إن المطالب المعلنة — من الاعتراف بنضال الشعب لإسقاط النظام، والتحرك لوقف الإعدامات، ودعم الإنترنت الحر، وصولاً إلى إغلاق المراكز الديبلوماسية للنظام — تؤكد أن هذه الحركة ليست مجرد حركة احتجاجية، بل هي حراك يمتلك برنامجاً، ورؤية، وحلاً سياسياً متكاملاً. برلين لم تكن مجرد مكان، بل كانت منصة لإعلان أن ثورة الشعب الإيراني قد دخلت مرحلة اللاعودة.