شهداء أبناء حمادي .. مجدٌ خالدٌ لا يُنسى وسيظل حاضراً في وجدان الأجيال
محمود عواس
مسيرةُ عائلةٍ عريقة وأصيلة ومناضلة ، قدمت خيرة رجالها الأبطال قرباناً وفداءً للدين والوطن.. أربعة شه...
كيف تُساق الجماهير بوهم المؤامرة بدلاً من مشروع النهضة
"إن لم تجد عدواً... اخترعه." ليست هذه الجملة مجرد مقولة في فلسفة السيطرة، بل هي دستور غير مكتوب يُدار به العقل الجمعي في كثير من مجتمعاتنا اليوم. يعتمد هذا المنطق السيكولوجي على قاعدة بسيطة: الحقيقة معقدة، متطلبة، وتستدعي التفكير النقدي والمساءلة؛ أما العدو الوهمي فبسيط، مريح، ويمنح شحنة عاطفية عالية تُخدّر العقول وتجمعها تحت راية واحدة.
في واقعنا العربي والإسلامي المعاصر، تجد هذه الآلية بيئة خصبة للازدهار. عندما تعجز المكونات السياسية أو الاجتماعية أو الثقافية عن تقديم مشروع نهضوي حقيقي يحل أزمات البطالة، ويمهد لتعليم متطور، ويؤسس لبنية اقتصادية متينة، تصبح "الفزاعة" هي الخيار المفضل والأقل تكلفة. تحول الخوف إلى سلعة بائسة، ويتم استبدال السؤال الأهم: "ماذا قدمنا للنماء؟" بالسؤال الخدر: "من المتربص بنا اليوم؟".
يتجلى هذا النهج في مستويات متعددة من حياتنا اليومية:
* الخطاب السياسي والإعلامي: استبدال البرامج التنموية الشاملة بلغة التخوين والشماعات الجاهزة. كل فشل إداري أو تعثر اقتصادي لا يُعزى إلى سوء التخطيط أو الفساد، بل يُنسب فوراً إلى "أيادٍ خفية" و"مؤامرات خارجية". يغدو هذا العدو الوهمي بمثابة "مخدر موضعي" يُطلب من الجماهير بدلا من محاسبة المسؤول، أن تتلخص قضيتها في الالتفاف حوله لمواجهة الخطر الداهم.
* الاستقطاب المجتمعي والثقافي: تغذية الخوف من الآخر (سواء كان من طائفة أخرى، أو تيار فكري مغاير، أو حتى مجتمع جاد في التحديث). يُصوّر الحديث عن الحقوق والعدالة أو التطوير الإداري على أنه "اختراق فكري" أو "تفكيك للهوية"، مما يجعل الجماهير ترفض النقد الذاتي خوفاً من الوحش المزعوم.
* عصر شبكات التواصل الاجتماعي: تحولت الخوارزميات إلى مضاعف لهذه الظاهرة؛ فالغضب والخوف هما أسرع المحركات انتشاراً. تصنع الحسابات والمنابر اليوم أعداء وهميين يومياً لجمع المتابعين وشحن الجماهير، حيث يُختزل النقاش العام في حروب وهمية تُبعد المجتمع عن القضايا الحقيقية والتنموية.
إن الخطر الأكبر لسياسة "صناعة الفزاعات" لا يكمن فقط في تضليل الجماهير، بل في تدمير رأس المال البشري. فالعدو الوهمي يمنح شعوراً زائفاً بالوحدة، لكنه وحدة قائمة على الانفعال لا على البناء. عندما يُساق المجتمع بالخوف، تتوقف طاقات الإبداع، ويهرب الفكر الحر، وتسود حالة من الشك والريبة تجعل المجتمع عاجزاً عن التجديد.
الحقيقة، وإن كانت مؤلمة ومفرّقة في بدايتها لأنها تصدم الأوهام وتوقظ العقول من سباتها، هي الوحيدة القادرة على بناء مجتمع ناضج. إن الأمم لا تنهض بالخوف من الآخرين، بل بالثقة في إمكانياتها وبناء مشاريعها الحقيقية.
أمام كل مؤوسسة ومجتمع وفرد خياران لا ثالث لهما: إما الاستمرار في دور "القطيع" الذي يتحرك بفعل فزاعات الظلام، أو الشجاعة في مواجهة الذات والبحث عن نور الحقيقة. إن أول خطوة نحو الإصلاح تبدأ من تفكيك شفرة "المؤامرة الدائمة"، والإدراك بأن العدو الأكبر الحقيقي ليس وحشاً قابضاً في الظلام، بل هو الجهل، والتنصل من المسؤولية، واستسهال الانقياد خلف من يبيعون الخوف بدلاً من الأمل.