"عندما سكت عمود الدار".. رثائي في الذكرى السابعة عشرة لرحيل الشيخ سعيد بن أحمد العمودي
أحمد سعيد العمودي
في مثل هذا اليوم من كل عام تعود الذاكرة قسراً إلى ذلك الصباح الذي لم يكن كسائر الصباحات. صباح يوم ال...
في مثل هذا اليوم من كل عام تعود الذاكرة قسراً إلى ذلك الصباح الذي لم يكن كسائر الصباحات. صباح يوم الإثنين الرابع من شهر رجب الحرام لعام ألف وأربعمائة وتسعة وعشرين للهجرة الموافق السابع من يوليو لعام ألفين وثمانية للميلاد. في ذلك اليوم استيقظت مدينة كريتر عدن على نبأ لم تستوعبه البيوت ولم تحتمله القلوب ولم تقدر على حمله الجدران.
لقد فقدنا القلب الذي يستحيل نسيانه. فقدنا العمود الذي كان يحمل سقف هذه الدار. فقدنا الشيخ سعيد بن أحمد بن عمر بن سعيد بن محمد آل الشيخ صالح باعبود العمودي رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.
لم يكن ذلك اليوم موتاً عابراً ولا رحيلاً عادياً. كان زلزالاً إنسانياً هز أركان البيت من الأساس. كان انطفاءً مفاجئاً لنور ظل يضيء لنا دروب الحياة لسنوات طويلة. في ذلك اليوم تحولت الدنيا إلى سواد دامس ونزلت الأحزان كالسحب الثقيلة على رؤوسنا وعلى رؤوس كل من عرف هذا الرجل.
أنا وإخوتي والأحباب والأصحاب وقفنا في تلك اللحظات عاجزين. حبست الأنفاس في الصدور وخفقت القلوب كأنها تريد أن تخرج من أماكنها وتدفقت المشاعر كالسيل العارم الذي لا يوقفه سد ولا ترده جبال. وفي تلك اللحظات بدأ شريط الذكريات يعمل وحده بلا إرادة منا. استعاد كل تفصيلة صغيرة وكل كلمة وكل نظرة وكل ابتسامة عن أبي الحنون الذي ودع هذه الدنيا ومضى إلى جوار ربه.
كانت فاجعة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. فاجعة عجزت أمامها كل الكلمات وعجزت أمامها كل الحروف عن أن تصف حجم الألم أو أن تشرح عمق الفراق أو أن تواسي قلباً أثقلته الجراح. في ذلك اليوم طبع التاريخ في صدورنا ألماً وحسرة لا تطاق. كي لا يندمل ولا يزول. وما زال ذلك الكي إلى اليوم وبعد مرور سبعة عشر عاماً ينبض فينا ويذكرنا كل صباح أن هناك فراغاً كبيراً لا يمكن أن يملأه أحد.
اليوم ذكرى ألم. اليوم ذكرى وفاة الفقيد وتاج الرأس والدي الحبيب. مضت السنون لكن هذا اليوم بقي كما كان بالأمس. باق بألمه وباق بمواجعه وباق باشتياقنا المر لإنسان بكت عليه الدار واستوحش الطريق لغيابه وارتسمت الأحزان على أوراق الشجر وعلى جدران البيت وعلى ملامح كل من أحبه.
رحلت يا والدي بجسدك عنا ولكني أقسم أنك لم ترحل منا. بقيت فينا في أخلاقك التي غرستها فينا غرساً وفي معادن الرجال التي صقلتها في شخصياتنا وفي القيم التي زرعتها فينا فأثمرت. بقيت في الروح التي ما زالت تلهمنا كل يوم وتشد على أيدينا وتدفعنا إلى الأمام حتى نستطيع أن نواصل المسير على دربك ونكمل الطريق الذي بدأته.
كم هي قاسية هذه الحياة وهي تختطف الأعزاء بلا استئذان وبلا رحمة. وكم هي موجعة تلك التفاصيل الصغيرة التي لم نعد نراها في جوارنا. ابتسامتك التي كانت تملأ البيت نوراً. كلماتك التي كانت بلسماً على الجراح. حضورك الذي كان يعطينا الأمان. صوتك الذي كنا نركض إليه عند الشدة.
آه يا قلبي الذي تبكيه كلمة أبي كلما سمعتها في أي مكان. كلمة أبي ليست ثلاثة حروف فقط. إنها معنى كامل ملموس. إنها حضن وإحساس وأمان وسند. إنها طابع حساس لا يحس به ولا يدرك قيمته إلا من ذاق مرارة فقد والده. كيف يستطيع الإنسان أن يحيا حياة كاملة بدون والده. إنها مصيبة كبيرة لا يحتملها الوجدان ولا يقوى على حملها الظهر.
الصبر منك يا ذا الجلال والإكرام. هذه الكلمات نرددها كل يوم بدموع الصمت. نوجهها إلى ذكرى رحيل جسد أبي الحبيب ونحن لا نعترض على مشيئة الله سبحانه وتعالى. ولكن الحزن يتسلل إلى دواخلنا بدون استئذان ويفرض نفسه علينا في كل لحظة.
سبعة عشر عاماً مضت. تحمل في طياتها حزن رحيلك يا أبي الغالي. مرت ثوان ودقائق وأيام وشهور وأعوام وياليتها لم تمر. أتتنا أعياد كثيرة فلم نستشعر فرحها. وأتتنا مناسبات وأفراح فلم نسعد بجمعها. لأن ذلك الإحساس الذي كان يمنح للأشياء طعمها وللأيام لونها قد رحل برحيلك.
باقية هي الذكرى في قلوبنا. ذكراك التي لن تتغير قيمتها ولن يمحوها الزمن لا بمرور الأيام ولا بتبدل الأمكنة. ما زلت أتذكر تلك الرجفة التي هزت قاع قلبي من الأعماق في اللحظة التي سمعت فيها الخبر. رجفة كأن الأرض مالت من تحت قدمي وكأن السماء سقطت على رأسي.
لا يوجد ألم في الدنيا يضاهي ألم الفقد. فكيف إذا كان المفقود هو الأب. كيف إذا كان المفقود هو الأصل والسند والظهر والملجأ. لقد اشتقت إليه. اشتقت إليه بكل ما تحمله الكلمة من معنى الاشتياق. بكل الحروف المجتمعة في كلمة أبي. بكل الأحاسيس المكتئبة التي تعرف معنى الغياب.
سبعة عشر عاماً تمر ولم يخمد ذلك البركان الذي ثار في صدري يوم رحيله. سبعة عشر عاماً وكأنها قرن كامل عشته وحيداً بلا وجودك. سبعة عشر عاماً من الاشتياق لم ينبت الدمع منها إلا شوك الحنين والحسرات.
رحم الله أول هزائمي. رحم الله أعظم خسائري في هذه الحياة. أبي الغالي. جسدك رحل وترك في قلبي لوعة لا تهدأ وفي العين دمعة لا تجف لم تمحها الأيام ولم يطمسها الزمن.
أبي الغالي ستبقى ذكرى جميلة معنا. وستبقى باقياً في قلوبنا دائماً وأبداً. في ذكرى وفاة أبي أيقنت الحقيقة التي لا تتغير مع الأيام. أيقنت أن الفواجع الكبيرة تبقى كما هي حتى ولو مر عليها الدهر كله. وأيقنت أن الحزن على الراحلين الكبار لا يموت بل يسكن فينا ويكبر معنا ويصبح جزءاً من ملامحنا.
اللهم ارحم أبي الغالي واغفر له وتجاوز عنه. اللهم اجمعني به في جنتك يا الله فإن الشوق قد أتعبني وأنهك الروح. اللهم ارحم أبي بعظيم افتقادي له. اللهم آنس وحشته في قبره ونور له قبره. اللهم لا تطفئ نوراً منك في قبره. اللهم ارحمه واغفر له واجعل قبره روضة من رياض الجنة.
اللهم تجاوز عن سيئاته وارفع من درجاته وألهمه رد السؤال وثبته عند الحساب. اللهم اغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس. اللهم اجعله في مقعد صدق مع الأبرار في الفردوس الأعلى في جنات النعيم.
اللهم ارزقنا من بعده الصبر والسلوان. اللهم اجعلنا خير أبناء لخير أب. اللهم لا تفتنا من بعده وألهمنا الثبات على الطريق كما ألهمته. اللهم اجمعنا معه في جنان الخلد. اللهم ارحمه وارحم أمواتنا وأموات المسلمين أجمعين. اللهم اغفر لهم وارحمهم وعافهم واعف عنهم وأكرم نزلهم ووسع مدخلهم.
اللهم اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات. اللهم آمين يا رب العالمين. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.
يا رب إن قصرت على أبي بالدعاء فأنت ربه الذي لا ينساه ولا يغفل عنه. اللهم اهده من الجنة ما يسعد عيناه. اللهم ارحم أبي رحمة واسعة تسع الدنيا ومن عليها.
رحمة الله تغشاك يا أبي. نم قرير العين مرتاح البال. فقد تركت خلفك ابناً باراً لن ينساك ولن يخون عهدك وسيبقى يذكرك ويدعو لك حتى يلقاك.
بقلم الوفي البار
الشيخ أحمد سعيد أحمد العمودي
عدن كريتر
4 رجب 1429هـ 7 يوليو 2008م
توثيقاً لذكرى من زرع فينا المجد وعلم.