صالح أبوعوذل

هل السعودية "دولة هشة" حتى يملي عليها اليمنيون ما تفعله؟

وكالة أنباء حضرموت

في البدء أود التنويه إلى نقطة أراها في غاية الأهمية، وهي أن على الأشقاء اليمنيين أن يستوعبوا حقيقة أن الصراع الحالي هو في الأساس صراع "سعودي – جنوبي"، وليسوا طرفا بالشكل المتخيل لديهم، وحتى إن وُجدت بعض الأدوار كأدوات يمنية، ومعها بعض الأدوات الجنوبية، فهي لا تعدو كونها "أدوات مرحلية مؤقتة"، وهذا أمر مفروغ منه. لكن سؤالا يطرح نفسه انطلاقا من حالة خطاب الوصاية المتبادل بين اليمنيين والسعوديين على حد سواء: هل السعودية "دولة هشة" حتى يملي عليها اليمنيون ما تفعله؟ وهل ما فعلته السعودية من تدخل عسكري مباشر ضد القوات الحكومية الجنوبية في حضرموت كان نتيجة ضغوط سياسية، أم أن السعودية تنفّذ مشروعا توسعيا قديما جديدا؟ أسئلة تتطلب إعادة قراءة للوصول إلى مقاربة تساعدنا على الإجابة، أو على الأقل على الفهم.
قرأتُ مقالة للقيادي المنشق عن جماعة الحوثيين المصنفة على قوائم الإرهاب، علي ناصر البخيتي، وهو يوجّه السعودية بخطاب وصاية يشبه إلى حد كبير خطاب "الحاكم العسكري السعودي فلاح الشهراني".. وهنا سألت نفسي: من يملي على الآخر "حكم الوصاية"؟ هل اليمنيون ينفذون رغبات السعودية أم العكس؟.
طبيعة الصراع الحالي في جوهرها صراع جنوبي – سعودي؛ لذلك فإن اجتهادات بعض الإخوة في اليمن، وحتى شماتتهم، وكل ما عدا ذلك، لا قيمة عملية له، لأن الصراع الحقيقي بين الجنوب والسعودية فقط، وما دون ذلك "صراخ في صحراء لا يسمع من شدة العواصف".
حاول القيادي الحوثي المنشق علي البخيتي أن يشتغل على فكرة متناقضة؛ فهو يقدم السعودية على أنها وسيط محايد، وأن كل الحلول يجب أن تمر عبر الرياض. لكنني تذكرت له تصريحات قديمة يهاجم فيها السعودية ويتهمها بالتآمر على اليمنيين، بما في ذلك دعم مليشيات الحوثيين، تلك المليشيات التي كان البخيتي المتحدث الرسمي باسمها.
لم يخفِ البخيتي تعلّقه بـ"ملازم حسين بدر الدين الحوثي" التي قرأها في سجن الأمن السياسي بصنعاء، وهو يصف المشاريع الوطنية بأنها على علاقة بإسرائيل. وهو يدرك تماما أن تل أبيب إذا دخلت في أي قضية أحدثت فيها اضطرابا كبيرا، وأن مساحة الرفض العربي تظل معقدة ومكلفة، وعلى رأس ذلك في الرياض، وهذا أمر يعرفه علي ناصر البخيتي جيدا. وموقف عدن تاريخيا وحاضرا من القضية الفلسطينية هو ذاته الموقف الذي دفع الجنوب فاتورة كبيرة في حرب العام 1994م، حين ظهرت آنذاك سرديات سياسية وإعلامية عن توظيف قنوات خارجية في تلك المعركة ضد الجنوب، انطلاقا من مواقف النظام الجنوبي بقيادة الرئيس الأسبق علي ناصر محمد الداعمة للقضية الفلسطينية.
القضية الوطنية الجنوبية عادلة في مشروعها الوطني القائم على حق استعادة دولة دخلت في مشروع شراكة سياسية، مثلها مثل مشروع الوحدة بين مصر وسوريا. وهذه المشاريع جاءت في ظل موجة القومية العربية، وفشلت لأسباب بنيوية داخلية، لا بسبب "نظرية السعوديين تجاه جمال عبد الناصر"... فالنظام في صنعاء، القائم على السلالية الزيدية، يحمل بدوره نزعة توسعية، على نحو يشبه سلوك دول توسعية أخرى مثل إيران والسعودية وإسرائيل... ولو عدنا إلى اتفاقية ترسيم الحدود (اتفاقية جدة 2000) لاتضح حجم الاختلال في خطوط الترسيم، غير أن هذا ليس موضوعنا هنا.
ربما أدرك علي البخيتي أن الفرصة مواتية للعودة إلى الرياض مجددا. وهو الذي استغل كثيرا قضية الناشطة اليمنية سميرة الحوري، واجتهد فيها لا دفاعا عنها وعن نجلها بقدر ما كان توظيفا سياسيا للضغط على السعودية، خصوصا بعد أن قطعت الرياض "إعاشة" كانت تُصرف له عندما كانت تستفيد من حضوره ضد الحوثيين بحكم تاريخه داخل الجماعة. وحين وصلت إلى تفاهمات مع الحوثيين، تخلت عنه، فحاول إعادة تموضعه عبر تلك القضية. واليوم يعود لمجاملة الرياض من بوابة الإساءة المتكررة للجنوب، لكنه يقع في فخ خطاب الوصاية، وكأنه نسخة أخرى من "فلاح الشهراني" ولكن بوصاية توجيهية معاكسة.
يهاجم البخيتي السعودية ويحذرها ويتوعدها من المساس بالدستور اليمني وبالوحدة اليمنية، وفي الوقت نفسه يقول إنه لا حلول إلا من خلال الرياض، وكأنه يبعث برسالة مفادها: "الحلول عبركم، لكن ما نريده نحن لا ما يريده الجنوبيون".
وأنا أقرأ مقالة البخيتي فكرت كثيرا: ماذا لو أصبح السعوديون ينفذون ما يملى عليهم في الخطاب اليمني، والحوثي تحديدا؟ هل السعودية دولة هشة إلى درجة أن كاتبا يمنيا وسياسيا منشقا عن جماعة مصنفة على قوائم الإرهاب يضع الشروط والحلول ويشيطن من يشاء، فقط لكي تسمع دولة كالسعودية "لكلامه" المتناقض؟
زعم البخيتي، المتحدث باسم جماعة الحوثيين سابقا في مؤتمر الحوار اليمني، بأنهم "هم" – أي الحوثيين – من صنعوا القضية الجنوبية في مؤتمر الحوار عام 2013م. لكنه يهرب من الإجابة على سؤال: من عطّل مخرجات مؤتمر الحوار التي يراها مرجعية؟ أليس الحوثيون، الذين كان يتحدث باسمهم ويفسر شعار "الصرخة" بأنه مستمد من ثقافة القرآن الكريم، هم من انقلبوا على الدولة ومخرجات الحوار، قبل أن يتحول مؤخرا إلى خطاب آخر؟
كما قلت في البداية، قضية شعب الجنوب ليست "ملفا" فتحته النخبة في صنعاء، بل قضية شعب وهوية وصراع دولة وسلطة منذ 1994 وما قبلها، والحوار مجرد محطة لا مرجعية مطلقة.
اجتهد البخيتي كثيرا في شيطنة الجنوب، وحاول أن يقدم الحرب السعودية في حضرموت وكأنها "منقذ للوحدة اليمنية". ولأن طريق العودة إلى الرياض يبدو صعبا في حساباته، ويخشى أن يخضع لاستجواب على طريقة صديقه الشاعر محمد المسمري – الذي تحوّل إلى محمد المسوري – فقد ذهب إلى تكرار خطاب الحوثيين تجاه الجنوب العربي ووصفه بأنه على علاقة بإسرائيل.
لا يمتلك البخيتي ولا غيره دليلا واحدا يؤكد وجود علاقة للجنوب بإسرائيل، إلا إذا كان قد قرأ ذلك في "ملازم الحوثي". عندها يصبح طرحه أقرب إلى كونه وقع ضحية تلك الأدبيات، لا أكثر، كالمسمري الذي يرى أن هجومه الطويل على السعودية نتيجة "قومية جمال عبد الناصر".
يشترط البخيتي على السعوديين ماذا يفعلون لحل قضية شعب الجنوب، ويحذرهم من دعم الخيار الجنوبي المجمع عليه: "استعادة دولة الجنوب كاملة السيادة". لكنه يذهب في الوقت نفسه إلى الزعم أن اللقاء التشاوري الجنوبي الأخير ليس إلا إجراء بروتوكوليا عابرا هدفه امتصاص حالة الغضب والرفض الجنوبي، وأن السعودية سمحت بهذا فقط لتبدو غير معادية للقضية الجنوبية. بمعنى أن الرياض – وفق منطقه – تدير الملف بمنطق "الصورة والتوازن" لا بمنطق القضية الوطنية العادلة.
ويبدو أن البخيتي وصل إلى قناعة بأن الحراك والضخ الإعلامي طوال الأسابيع الماضية قد تبخّر ولم يعد له أثر، وأن المسألة أصبحت "حوارا سعوديا – جنوبيا" حول المستقبل. فذهب إلى نفي الشرعية عن رشاد العليمي، وزعم أنه لا يمتلك أي شرعية لبحث قضية الجنوب، وأن ما يجري من بوابة مجلس القيادة الرئاسي ليس إلا إجراء سعوديا لتفادي اتهام الرياض بأنها صاحبة القرار الحقيقي.
طيب، ما هو الحل يا أستاذ علي ناصر البخيتي؟ يقول إن على السعودية أن تخوض حربا كالتي خاضتها ضد القوات الجنوبية في حضرموت، وأن تحرر صنعاء من الحوثيين، ثم تبدأ الانتخابات وتشكيل الحكومة، وبعد ذلك تُناقش قضية الجنوب، ولكن تحت سقف الوحدة اليمنية.
تدرك السعودية قبل غيرها أن قضية الجنوب معروفة بتفاصيلها وأبعادها التاريخية، وأن الحلول المرحلية لا تحتاج انتظار صنعاء إذا كان الجنوب يعيش واقعا سياسيا مختلفا بالفعل. فالسعودية في نظر البخيتي دولة وظيفية مهمتها فقط ترتيب الأولويات وتكون ضامنة وربما حتى راعية.
الواقع السياسي يؤكد أن السعودية ليست وسيطا محايدا؛ لأنها طرف عسكري وسياسي مباشر، وتمسك مفاصل التمويل والقرار داخل الشرعية اليمنية، وهي صاحبة نفوذ على الأرض في الجنوب. وأي وسيط لا يملك نفوذ قرار على طرفي النزاع يُسمى "راعيا"، أما من يملك النفوذ والوجود والتأثير فهو "طرف" حتى لو لبس عباءة الوساطة.
ولكي يهرب البخيتي من مسؤولية موقفه السابق تجاه الجنوب قبل انضمامه للحوثيين، ذهب إلى القول إنه ليس ضد مشروع استقلال الجنوب العربي، لكنه ضد فرض هذا المشروع من قبل إسرائيل. وهنا نعود ونسأل: ماذا لو كانت للجنوب تحالفات من قبيل هذه المزاعم؟ هل كانت السعودية ستجرؤ على خوض حرب بمعادلة صفرية؟ أترك الإجابة لعلي ناصر البخيتي.

مقالات الكاتب